الشوكاني

287

فتح القدير

إنسانا ذكرا وعدل أعضاءك وكملك ، وفى هذا تلويح بالدليل على البعث ، وأن القادر على الابتداء قادر على الإعادة ، وانتصاب رجلا على الحال أو التمييز ( لكنا هو الله ربى ) كذا قرأ الجمهور بإثبات الألف بعد لكن المشددة . وأصله لكن أنا حذفت الهمزة وألقيت حركتها على النون الساكنة قبلها فصار لكننا ، ثم استثقلوا اجتماع النونين فسكنت الأولى وأدغمت الثانية ، وضمير هو للشأن ، والجملة بعده خبره والمجموع خبر أنا ، والراجع ياء الضمير ، وتقدير الكلام : لكن أنا الشأن الله ربي . قال أهل العربية : إثبات ألف أنا في الوصل ضعيف . قال النحاس : مذهب الكسائي والفراء والمازني أن الأصل لكن أنا ، وذكر نحو ما قدمنا . وروى عن الكسائي أن الأصل لكن الله هو ربي أنا . قال الزجاج : إثبات الألف في لكنا في الإدراج جيد لأنها قد حذفت الألف من أنا فجاءوا بها عوضا ، قال : وفى قراءة أبي " لكن أنا هو الله ربى " وقرأ ابن عامر والمثنى عن نافع ، وورش عن يعقوب " لكنا " في حال الوصل والوقف معا بإثبات الألف ، ومثله قول الشاعر : أنا سيف العشيرة فاعرفوني * فإني قد تذربت السناما ومنه قول الأعشى : فكيف أنا وألحان القوافي * وبعد الشيب يكفي ذاك عارا ولا خلاف في إثباتها في الوقف ، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وأبو العالية ، وروى عن الكسائي " لكن هو الله ربي " ثم نفى عن نفسه الشرك بالله ، فقال ( ولا أشرك بربي أحدا ) وفيه إشارة إلى أن أخاه كان مشركا ، ثم أقبل عليه يلومه فقال ( ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله ) لولا للتحضيض : أي هلا قلت عندما دخلتها هذا القول . قال الفراء والزجاج : ما في موضع رفع على معنى الأمر ما شاء الله : أي هلا قلت حين دخلتها الأمر بمشيئة الله ، وما شاء الله كان ، ويجوز أن تكون ما مبتدأ والخبر مقدر : أي ما شاء الله كائن ، ويجوز أن تكون ما شرطية والجواب محذوف : أي أي شئ شاء الله كان ( لا قوة إلا بالله ) أي هلا قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله ، تحضيضا له على الاعتراف بأنها وما فيها بمشيئة الله ، إن شاء أبقاها وإن شاء أفناها ، وعلى الاعتراف بالعجز ، وأن ما تيسر له من عمارتها إنما هو بمعونة الله لا بقوته وقدرته . قال الزجاج : لا يقوى أحد على ما في يده من ملك ونعمة إلا بالله ، ولا يكون إلا ما شاء الله . ثم لما علمه الإيمان وتفويض الأمور إلى الله سبحانه أجابه على افتخاره بالمال والنفر فقال ( إن ترني أنا أقل منك مالا وولدا ) المفعول الأول ياء الضمير ، وأنا ضمير فصل ، وأقل المفعول الثاني للرؤية إن كانت علمية ، وإن جعلت بصرية كان انتصاب أقل على الحال ، ويجوز أن يكون أنا تأكيد لياء الضمير ، وانتصاب مالا وولدا على التمييز ( فعسى ربى أن يؤتيني خيرا من جنتك ) هذا جواب الشرط : أي إن ترني أفقر منك ، فأنا أرجو أن يرزقني الله سبحانه جنة خيرا من جنتك في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما ( ويرسل عليها حسبانا ) أي ويرسل على جنتك حسبانا ، والحسبان مصدر : بمعنى الحساب كالغفران : أي مقدار قدره الله عليها ، ووقع في حسابه سبحانه ، وهو الحكم بتخريبها . قال الزجاج : الحسبان من الحساب : أي يرسل عليها عذاب الحساب ، هو حساب ما كسبت يداك . وقال الأخفش : حسبانا : أي مرامي ( من السماء ) واحدها حسبانه ، وكذا قال أبو عبيدة والقتيبي . وقال ابن الأعرابي : الحسبانة السحابة ، والحسبانة الوسادة ، والحسبانة الصاعقة ، وقال النضر ابن شميل : الحسبان سهام يرمى بها الرجل في جوف قصبة تنزع في قوس ، ثم يرمي بعشرين منها دفعة ، والمعنى : يرسل عليها مرامي من عذابه : إما برد ، وإما حجارة أو غيرهما مما يشاء من أنواع العذاب . ومنه قول أبي زياد